سارة ماجد – خريجة برنامج النوع والتنمية وباحثة مهتمة بالحقوق الاقتصادية للنساء داخل منظومة الزواج
ضمن كتاب “قراءات نسوية في التاريخ الثقافي العربي” من إصدارات مؤسسة المرأة والذاكرة، تحرير د. أميمة أبوبكر.
في سياق متنامٍ من الدراسات التي تعيد قراءة التراث العربي الإسلامي من منظور نسوي نقدي، يندرج كتاب “قراءات نسوية في التاريخ الثقافي العربي” كمساهمة بحثية جادة تتقصى أثر التقاليد الدينية والاجتماعية في تشكيل وضعية النساء وتاريخهن المهمّش. يُقدّم هذا الكتاب مقاربات نقدية نسوية لنصوص عربية متنوعة، حديثة وتراثية، بهدف إعادة قراءتها من منظور مغاير. يطمح إلى بناء معرفة نسوية عربية تُعيد التفكير في مفاهيم مثل التاريخ السائد، وأشكال الإقصاء والتراتبية في الفكر والمجتمع، وتمثّلات الجندر في الثقافة المحافظة. كما يتناول التوظيف الديني في تبرير التمييز، ويطرح تساؤلات حول جدوى الدعوات إلى القطيعة التامة مع التراث كخيار وحيد للإصلاح.
من ضمن أبحاث الكتاب قدمت الباحثة دراسة بعنوان:” “هل كُتب على المرأة المسلمة الفقر؟”: تحليل فتاوى لدار الإفتاء المصرية حول الأدوار والحقوق الاقتصادية للنساء المتزوجات”. تتناول هذه الدراسة إشكالية الحق في العمل والكسب للمرأة المسلمة المتزوجة، من خلال تحليل فتاوى حديثة صادرة عن دار الإفتاء المصرية، باعتبارها إحدى أهم المؤسسات التي يستفتيها المصريون في أمور دينهم ودنياهم. لتكشف عن بعض التعقيدات في الخطاب الفقهي الرسمي المعاصر تجاه الحقوق الاقتصادية للنساء.
تتناول هذه الدراسة النسوية إشكالية الحق في العمل والكسب للمرأة المسلمة المتزوجة من خلال تحليل فتاوى حديثة صادرة عن دار الإفتاء المصرية، في محاولة لتفكيك التناقضات الكامنة في الخطاب الديني الرسمي تجاه حقوق النساء الاقتصادية. ففي حين يُقر الفقه بحق المرأة في الذمة المالية المستقلة والأهلية القانونية، يُعاد إنتاج خطاب يُعطي للزوج سلطة حاسمة في تقرير ما إذا كان يحق لزوجته العمل أم لا، مما يُحيل هذا “الحق” إلى خيار مُعلّق على إرادة الطرف الآخر.
ترتكز الورقة إلى التصنيف الثلاثي الذي وضعته زيبا مير حسيني للخطاب الفقهي الإسلامي [1]، والذي يقسمه إلى: تقليدي، تقليدي جديد، وإصلاحي. وتضع الكاتبة فتاوى دار الإفتاء المصرية ضمن فئة “الخطاب التقليدي الجديد” الذي يحاول تقديم خطاب فقهي أكثر ملاءمة للعصر الحديث، دون أن يتخلى فعليًا عن التراتبية الجندرية المتجذّرة في الفقه الكلاسيكي.
من خلال تحليل ثلاث فتاوى صدرت بعد عام 2015، تكشف الكاتبة عن مفارقة واضحة: تعترف الفتاوى بحق المرأة في الذمة المالية المنفصلة، وتقر بعدم حق الزوج في إجبار زوجته على الإنفاق من دخلها، لكنها في الوقت نفسه تشترط إذن الزوج إن رغبت المرأة في العمل. هذا التناقض يُفرغ الاعتراف بالاستقلال المالي من مضمونه، ويعيد النساء إلى دائرة التبعية القانونية والاجتماعية.
واحدة من الملاحظات المهمة التي تتناولها الدراسة هي أن الشروط المفروضة على عمل المرأة – مثل “ألا يؤثر العمل على الحياة الأسرية” أو “أن يتناسب مع طبيعتها” – لا نجد لها نظيرًا في فتاوى تتعلق بعمل الرجال. وهي شروط ضبابية، تُبقي التقييم النهائي بيد الرجال أو الفقهاء، وتُحمّل النساء تبعات أي خلل أسري محتمل. وتكشف الكاتبة عن القلق الضمني المتكرر من خروج المرأة إلى المجال العام، وما يصاحبه من خطاب تحذيري أخلاقي، يفترض أن النساء مصدر “توتر” محتمل في المجال العام.
تشير الدراسة إلى أن الفتاوى الحديثة ما زالت تستند إلى قاعدة “النفقة مقابل الاحتباس”، والتي تفترض أن المرأة تُمنح النفقة من زوجها فقط إذا التزمت بطاعته ولم تخرج من البيت دون إذنه. هذا المبدأ – المستمد من الفقه التقليدي – يوظَّف اليوم للسيطرة على حق المرأة في العمل، إذ يُعتبر خروجها للعمل من دون إذن الزوج نوعًا من “النشوز” يُسقط عنها النفقة، ما يعني ضمنًا أن كسبها الحلال يأتي على حساب حقوقها الزوجية.
تعيد الكاتبة طرح هذه الإشكالية ضمن إطار أوسع يدعو إلى تطوير “فلسفة الزواج” ذاتها في الخطاب الفقهي، للخروج من معادلة “الإعالة مقابل الطاعة”، والاقتراب من مقاصد الشريعة التي تقوم على العدل والمودة والرحمة. وتستشهد بتجربة المغرب في إصلاح مدونة الأسرة (2004) التي ساوت بين الزوجين في الحقوق والواجبات، وألغت مفهوم “طاعة الزوجة” من القانون، كمثال حي على إمكانية الإصلاح من داخل المنظومة الدينية.
كما تستعرض الورقة مواقف فقهاء معاصرين (مثل الدكتور عبد الله بن بيه والدكتور قطب مصطفى سانو) الذين يقدمون اجتهادات جديدة في مفهوم “الاحتباس” ووجوب النفقة، رافضين أن تُربط هذه المسائل بسيطرة الرجل على حرية حركة المرأة.
في نهاية المطاف، تؤكد الباحثة أن تحرير النساء من الفقر ليس فقط مسألة اقتصادية، بل هو معركة فكرية ومعرفية ضد مفاهيم فقهية رسخت التبعية واللامساواة، وتجاهلت السياقات المتغيرة التي تعيش فيها النساء اليوم. وتشدد على أن المسار يبدأ من الاعتراف الكامل بأهلية النساء كذوات فاعلة لهن حق اتخاذ القرار، والعمل، والكسب، وتقرير مصيرهن الاقتصادي.
[1] Ziba Mir‐Hosseini, “The Construction of Gender in Islamic Legal Thought and Strategies for Reform,” Hawwa 1, no. 1 (2003): 2, https://doi.org/10.1163/156920803100420252.
